حبيب الله الهاشمي الخوئي

6

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

من دار أنت عنها متباعد . وقال الشّارح البحراني : ولمّا كانت الآخرة عبارة عن الدّار الجامعة للأحوال التي يكون الانسان عليها بعد الموت من سعادة وشقاوة ولذّة وألم ، وكان تقضّي العمر مقرّبا للوصول إلى تلك الدّار والحصول فيما يشتمل عليه من خير أو شرّ ، حسن إطلاق لفظ الاقبال عليها مجازا ثمّ نزّلها لشرفها على الدّنيا في حال إقبالها منزلة عال عند سافل فأسند إليها لفظ الاشراف ، ولأجل إحصاء الأعمال الدّنيوية فيها منزلة عالم مطلع فاطلق عليها لفظ الاطلاع . أقول : والى هذا المعنى أشير في الحديث القدسي : يا بن آدم الموت يكشف أسرارك والقيامة يتلو أخبارك ، والكتاب يهتك استارك الحديث . ثمّ نبّه على وجوب التهيّأ بذكر ما يسير إليه وهو الجنّة وما يصار إليه وهو النّار بقوله : ( ألا وإنّ اليوم المضمار وغدا السّباق ) أراد باليوم مدّة العمر الباقية وأطلق اسم المضمار عليها باعتبار أنّ الانسان في تلك المدّة يستعدّ بالتّقوى والعمل الصالح للسّبقة إلى لقاء اللَّه والتّقرّب إلى حضرته كما أنّ الفرس يستعدّ بالتّضمير إلى سبق مثله . وكنى بالغد عمّا بعد الموت وأطلق اسم السباق عليه باعتبار أنّ أفراد النّاس لمّا كانت متفاوتة في حبّ الدّنيا والاعراض عنها ، وذلك التّفاوت كان موجبا للقرب والبعد والسّبق واللحوق في الدار الآخرة ، فكان السّباق هناك . بيان ذلك أنّ من كان أكثر استعدادا وأقطع لعلايق الدّنيا عن قلبه لم يكن له بعد الموت عايق عن الوصول إلى اللَّه ومانع عن إدراك رضوان اللَّه . ومن اشرب قلبه حب الدّنيا وافتتنت بها لا يمكن له الوصول إلى درجات السّابقين الأوّلين والنيل إلى مراتب المقرّبين ، ومن كان أقلّ استعدادا من هؤلاء وأشدّ علاقة للدنيا ، كان من التّالين المقصّرين كما قال عليه السّلام في بعض كلماته السّالفة : ساع سريع نجى وطالب بطىء رجى ومقصّر في النّار هوى والسّبقة الجنّة يستبق إليها السّاع السّريع والغاية النّار يصير إليها التّالى الوضيع .